أفكارك لك وكلماتك ليست لك
جميل أن تخرج مشاعرنا كلمات وكذلك أفكارنا ولكن الأخيرة إن لم تضف شيئا فالأفضل ان تبقى سجينة.

نظرات إلى الحياة - في جدلية الإختيار والتسيير

في جدلية الإختيار والتسيير

الخيار والتسيير


نحن مسيّرين فلا لوم علينا ولا عقاب نخشاه !. وهذا بديهي فكيف يلام سجين على رثاثة أو تواضع هندامه وأمره لسجانه !؟ وأي عقاب يخشاه قاتلٌ ينتظر تنفيذ إعدامه !؟ نعم هناك مواقف وأحداث كثيرة في خضم حياتنا نخوضها وعلينا القبول بالتفاعل معها رغم أنها ليست في صالحنا أو ليست وفق ما نريد ونأمل، ولكننا نجد أنفسنا في وسطها نصارع أمواجها التي تمتصنا إلى قعر بحرها وتقف بيننا و بين الشاطئ الذي نسعى إليه.

مواقف كثيرة لو قيد لنا أن نراها في أحلامنا لانتفضنا مشمئزين أو فزعين متعوذين بقوى الخير أن تقينا إياها ومن قوى الشر في هذا الكون، وبالرغم من ذلك فهي قد تحصل ونجد أنفسنا وجها لوجه أمام أسوأ أحلامنا، فهل يعقل أن نكون نحن وبمحض إرادتنا قد أدخلنا أنفسنا بهكذا مواقف وما الدافع لذلك إن صح !؟ وهل إخترنا أن نخوض غمارها أم أجبرنا على خوضها !؟.

تجارب ومواقف كثيرة نقف أمامها بعلامات إستفهام كبيرة قوامها " لماذا ؟ " ترتدي عباءة " التعجب ! " وفحواها " كم في ذلك من ظلم لنا ! ". وفي معمعة التأفف والتظلم تضيق الدنيا وتقصر الحياة وتنضغط السنون والأيام في تلك التجربة وكأننا أُسْقِطْنا في هذا المكان وتلك اللحظة من " لا قبل " ومن " لا حيث "!!

الإنصاف في التسيير!


إن التسيير في رثاثة هندام ذلك السجين ليس به من تسيير بقدر ما فيه عواقب خيار، فهو في هذا الموقف وتلك اللحظة نتيجة خيار قام بإتخاذه في وقت سابق أوجب فيما بعد وجوده في السجن وتفاعله مع حيثياته، من ظروف ونظام معيشة لم يكن ليختارها لو كانت هي الخيار ! بل هو قد إختار الباب الموصل لتلك الحيثيات والتي وبوصفها نتيجة لخيار تنتفي عنها صفة التسيير بالمضمون لتبقى صفة شكلية. وليس في هذا من لا إنصاف في فرض ما يقتضيه المكان والزمان الجديدين الناجمين عن ذلك الخيار من حيثيات.

أبعاد الخيار


كل منا له أن يدخل مكتبة وقد نمضي وقتا طويلا بين الأرفف نتصفح هذا الكتاب أو ذاك ونقرأ مقدمة كتاب وتذييل كتاب آخر، وقد نجد أنفسنا مشدودين لكتاب ما نقرأه ونخوض في صفحاته حتى الثمالة أو نقتنيه، وقرارنا بقراءة أو إقتناء هذا الكتاب أو ذاك منوط بأمور وإعتبارات متعددة، قد يكون قرارنا من منطلق موضوعه الذي قد يسترعي إنتباهنا وفضولنا، وقد يكون بناءً على سابق رصد له وخلاصة بحث عنه، أو عن إعتقاد منا بأنه قد يضيف إلى معرفتنا جديداً، وقد يكون مجرد قرار عشوائي. ولكن هل أتى الكتاب إلينا أم أتينا به إلينا !؟ ليس في هذا ما هو مميز فذلك أمر بديهي. ولكن هل يكون كل ما كُنب فيه موافق لهوانا وآرائنا وقناعاتنا !؟ وليس بالضرورة أن يخالف هوانا أو آرائنا ليكون غير موافق لها فقد يطرح سؤالا جديدا يقودنا إلى حال غير ما نحن عليه قبله، أما إذا خالف ما كنا عليه قبله من آراء ومعرفة فهنا نكون أمام تغيير قد يكون يسيرا علينا فنتقبله ونمضي أو يكن عسيرا فيضعنا في معضلة ويفتح باب بحث جديد لم يكن ليفتح لولا أن وجد هذا الإختلاف، وقد ينتهي هذا البحث بنفي لهذا الجديد أو قبول به، وبغض النظر عن تشعبات هذا المثال وحيثياته التفصيلية الخاصة به، فنأخذ الموضوع كنقاط ثلاث ( بداية ووسط ونهاية ) لنرى الخط الذي ترسمه، البداية كانت في قرارنا قراءة أو إقتناء الكتاب والوسط كان في ما أثاره من جديد والنهاية كانت في نتيجة التفاعل مع هذا الجديد، وحصرا بهذه النقاط نجدها تبدأ بقرار فيه خيار لا تسيير وقد تعمدت أخذ البداية إلى آخر حدود الخيارت التي إتخذت أعلاه علما بأنه هناك خيار الذهاب إلى المكتبة سبق خيار القراءة أو الإقتناء.

فإن أسقطنا هذه النقاط الثلاث على الحياة التي نحياها، تكون نقطة البداية قي القرار الذي أتى بنا لهذه الحياة أو أتى بهذه الحياة إلينا ونقطة الوسط هي صفحاتها وفقراتها وما فيها من مستجدات ومتغيرات نتفاعل معها ونقطة النهاية هي النتيجة والخلاصة.

حدود الخيار والتسيير


إن حسابا ومحاسبة لفعل وأفعال يوجب أن يكون الفاعل تكَفَّلها بالفعل بالإرادة ضمنا أو بالإدراك التام، وحتى الطفل في أعوامه الأولى نعمل جاهدين على ترغيبه بأشياء وأمور وترهيبه من أخرى عملا على تكوين وعي لديه في حدود معينة ينمو معه ليساعده في قبول القرارات التي نتخذها نيابة عنه في مرحلة ما قبل النضوج.

فنحن مثلا نستحثه على حب المدرسة رغم عدم إداركه لهذه المفردة بأي بعد ونعمل على تشويقه لها، وإدخاله في هذه التجربة هو قرارا نتخذه بالنيابة عنه، ولذا فهو لا يلام على نتائج وتطورات هذا الخيار إلا في حدود ما قدمنا له من محفزات ومسوغات لتبرير هذا الخيار على أنه لصالحه، وهذا يختلف تماما عن مراحل لاحقة في فترة التعليم عندما يتملك قراره شيئا فشيئا في تحديد المسار الذي يريده في هذا المضمار أو ذاك وهذا على فرض الإستمرار في مراحل التعليم، وهنا الحساب أوالمحاسبة يتخطيان مرحلة اللوم ربما لحدود العقاب، وعدم الإستمرار في مراحل التعليم له مسار مواز مشابه.

وإذا كان من ملامة وعقاب، فهل نتيجة ما نحياه ملامة أم عقاب أم مزيج منهما !؟ فإن كان فيها ملامة فهي في بعضها تسيير في ستار ترغيب أو ترهيب. ولكن وحيث أنه لا مكان للرمادية في النتيجة فهي إذا تخطت مرحلة الملامة، وبهذا عليها أن تكون مبنية على خيار بإدراك وإرادة وبهذا تكون مضمار وليست مرحلة. وكما يكون القرار بإتخاذ مضمار ما في التعليم بإدراك جزئي يختلف بمقدار ما يملك صاحب الخيار من وعي لمكنونات هذا الخيار، فاختيار الطب كمضمار يعني إختيار إطار يختلف إدراك الأخذين به لحيثياته وعليه يختلف مدى وعيهم لهذا الإطار. فمضمار الحياة التي نحياها خيار يوجب نتيجة بأحد اللونين لا رمادية فيها.

فنحن هنا ليس لنتخذ الخيار فقد إتخذناه في البداية ونحن هنا بسبب الخيار الذي إتخذناه، نحن الآن في بحث لنعرف ونستوضح أبعاد هذا القرار واستيعابها ضمن حدود وعينا في محاولة منا للوصول إلى النتيجة المرجوة منه !. نحن نتصفح كتاب محددٌ إطارُ موضوعه ومضمونه، فما خلا ذلك لم تعد خيارت بل معطيات ضمن إطار خيار شامل، هي تسيير ضمن خيار، فإن إخترنا الطائرة وسيلة لسفرنا لم يعد فتح النافذة خيارا متاحا. نعم هذا تسيير ولكن ضمن خيار إتخذناه وعليه فنحن من حذفنا خيار فتح النافذة بقرارنا الشامل سواءً كان هذا الحذف ضمن حدود وعينا لقرارنا عند الأخذ به أم أبعد من حدود وعينا حين إتخاذنا للقرار الشامل.

وعليه فحدود الخيار الذي نتخذه هي حدود وعينا لهذا الخيار وفهمنا لأبعاده وإستشفافنا لما قد يجلب من حيثيات ومعطيات تدفعنا للسير معها في تفاعل متزامن مع حدوثها وتطورها قد يأخذنا إلى حيث لا نرغب وتكون حدود هذه الحيثيات المستجدة في إطار الخيار الشامل الذي نجمت عنه وفيه.

‏الأربعاء‏، 07‏ أيار‏، 2008

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية